“روبـرت دي نـيـرو” يتجوّل شـوارعَ دمشق

“روبـرت دي نـيـرو” يتجوّل شـوارعَ دمشق

- ‎فيمقالات وآراء
34
0

إنّها الساعة الحادية عشر والنصف ظهراً، يا إلهي، متى سأصلُ إلى الجامعة ومحاضرتي ستبدأ في الثانية عشر، لم أعرف كيف ارتديتُ ثيابي، وحذائي المهترئ كواقعي الحزين.

ودّعتني أمّي كالعادة:” يعدّمني ياك انت والسهر والجامعات كلها” ثمَّ ركضتُ إلى أحد الشوارع القريبة من منزلي، وقفتُ عند موقف الجسر الأبيض، هل سأبقى أنتظرُ “الدوّار الشمالي” مع هذا الجيش البشري؟ رجال ونساء وأطفال كلّهم ينتظرون نفس الحافلة اللعينة، طبعاً لا فالوقتُ يكادُ ينفذ على لحاقي بتلك المحاضرة.

أشرتُ بيديّ إلى “تكسي” وبدأتُ بـ “المفاصلة”

“ع الآداب حجّي

600 ليرة عمّو.

طوّل بالك ما عم قلّك على كناكر، آداب آداب يعني شارعين تلاتة منصير هنيك.

بتعرف شو؟ تضرب انت واللي وقّفلك شو حمار” قال لي ذلك وهرب لأن أحد عناصر شرطة المرور اقترب منّا وعلى ما يبدو انّه عرف بأنَّ “الشوفير عم يفاصل” والمعروف أنَّ “المفاصلة” ممنوعة في سيارات الأجرة.

أتت “تكسي” أخرى فأوقفتُها، بدا السائق شاباً عشرينياً لطيفاً، يلبسُ نظّارة طبيّة رقيقة، واضعاً على كتفيه، “حطّة” رمادية وبيضاء، قال لي: لوين حبيب؟

ع الآداب بمعيتك مو صفيان غير خمس دقايق للمحاضرة.

ردّ عليّ بإشارة بحاجبيه وعينيه أن أركب.

طوّل بالك ما بدي اتفق معك ع السعر؟

قطّب حاجبيه وهزَّ برأسه وكأنه يأمرني بالركوب”

ركبتُ معه، وكأنّي راكبٌ مع “ترافس بيكل” ذلك الشاب الأمريكي الذي يعملُ كسائق لـ”تكسي” ليست له، والذي أدّى شخصيته الممثل “روبرت دي نيرو” في فيلم “تاكسي درايفر 1976″، لا أعلم كيف بدا لي هذا الشبه، نفس الهدوء ونفس الصمت ونفس لمعان العيون، أردتُ التحدّث إليه، لكنّي خفتُ أن لا يرد، وفجأة عند وصولنا إلى ساحة المالكي نطق: أعرف أنّك تريدُ التحدّث، وأعرف أنّي غريب الأطوار، ثمَّ ماذا تريد من هذا الحديث “المعت”؟ أتريد أن تلعنني بلحنِ كلامك كي أنسى الأجرة التي سآخذها منك؟

“لا أعوذُ بالله خود قد ما بدك بس مو تجرمني جرم كمان”

يخيّل لي أنك تشتغل في الكتابة، أعرف وضعك المادي أنت وكل كتّابنا وطلّابنا الفقراء، أعرف أنك ستدفع كل ما لديك، ثمَّ عند وصولك للجامعة ستستدين من أقرب صديقٍ لك ثمنَ العودة إلى منزلك العالي، فلا تحاول خداعي وشكري بكلامك الجميل المنمّق لأني لن آخذ منك، قرَّ عيناً.

اسمع، يجلسُ على مقعدك الكثير من الأشخاص يومياً، مثلاً: المسؤول الذي تعطّلت سيّارته في طريقه نحو أحد بيوت “الدعارة” قرب جرمانا، لا أقدر على فتح الأحاديث معه لكي أذكّره أنه يمثّل شريحة من شرائح الشعب والأجدر أن يكافحَ ذلك العمل لا الخوضُ فيه، ولا أقدرُ أن أحدّث تلك الفتيات الصغيرات اللواتي يخرجن من ذلك البيت وأوصلهن لبيوتهن في الساعات المتأخرة من الليل، بكل بساطة سيقولون لي: لا تستشرف علينا والتهِ بشغلك.

نفس الأمر عند تاجر الأزمة الذي آخذه من الزبلطاني الى أحد الأسواق الشعبية، وبعض الشباب المفسدين، كيف تريد منّي التحدّث؟ بعد أن التقيتُ بكل أولئك، أحقّاً هذه دمشق التي يقضّون مضاجعنا فيها ليلَ نهار؟ دمشق الفاسدين، يحزنني هذا المضاف إليه.

كيف تريدني أن أتكلّم ويومياً يركب معي تجّار المخدّرات، تجّار الأسلحة، شباب فاسدون يشبهون كل شيء إلَّا الشباب. دمشق هذه ليست دمشق التي نعرف، يالسوءها يا صديقي.

وصلنا إلى موقف الآداب وأعطيته ثلاثمئة ليرة، لكنّه لم يرضَ ذلك، قال لي: لن آخذ منك شيء، أنا طالب مثلي مثلك، طبيب أختص قلبية، وهذه السيارة ليست لي، بل لذلك المسؤول الذي يرتاد تلك البيوت، هذه واحدة من بين عشرات سيارات الأجرة التي يملكها، اذهب هيّا، فـ استاذك وكل حبيباتك بانتظارك ولا تكتب عني لا أنا ولا دمشق ولا روبرت دي نيرو”

مع ثلاث غمزات.

يوميات قذيفة هاون في دمشق| محمد ساس

 

 

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *