انخفاض معدل المياه الجوفية بمقدار 1م3 سنوياً يغير معادلة دعم الزراعة

انخفاض معدل المياه الجوفية بمقدار 1م3 سنوياً يغير معادلة دعم الزراعة

- ‎فيمقالات وآراء
284
0

 

رغم أن سورية تصنف من الدول الزراعية خاصة بما تنتجه من المحاصيل الاستراتيجية التي تشكل بالفعل ورقة رابحة بيد صناع القرار لما تجنبهم كثير من الضغوط الخارجية، إلا أن السياسة الزراعية تواجه كثير من الانتقادات التي تصفها تارة بالمتخبطة والعشوائية على اعتبار عدم وجود خطة زراعية واضحة تلزم المزارعين باعتمادها وتطبيقها كما يجب، وتارة أخرى بالمزاجية كون القائمين عليها لا يحددون أهدافاً تكتيكية واستراتيجية تمكنهم من تحقيق الاحتياجات الحقيقية من المنتجات الزراعية للبلد، لاسيما في ظل تناقص الموارد المائية، حيث هناك الكثير من المحاصيل تستنزف هذه الثروة دون وجود خطة أو برنامج يحددان آلية لاستغلال الموارد المائية بشكل أمثل يحقق الجدوى الاقتصادية المطلوبة.

 

تؤكد بعض مصادر وزارة الزراعة أن السيئ بسياساتنا الزراعية هو عدم قدرة القائمين على قطاع الزراعة على حماية الموارد خاصة المائية منها (الجوفية – المسطحات) وذلك نتيجة الاستغلال الجائر للتربة في بعض المناطق، حيث ينخفض معدل المياه الجوفية 1م3 سنوياً، وهذا استنزاف خطير، فالمشاريع ذات العمق الكبير وغير الاقتصادية من المفروض إزالة الدعم عنها ولا تُزرع إلا بزراعات معينة، والدولة تساهم بشكل غير مباشر في هذا الأمر عبر إعطاءها التراخيص لحفر آبار في مناطق قد تكون المياه الجوفية فيها عميقة واستخراجها مكلف، أو قليلة وقابلة للنضوب بغض النظر عن وجود المحاصيل الاستراتيجية (القمح – القطن – الشوندر السكري) وأكبر دليل على ذلك أن كثير من مناطق الجزيرة خضعت لدراسات من الإيكاردا ومنظمات أخرى، وبالأخص تلك التي تشهد ارتفاعاً بدرجات الحرارة وقلة بالهطولات المطرية نوعاً ما، حيث حُفر في أراضيها العديد من الآبار واستغلت لزراعة القطن وكانت النتيجة تملح التربة بسبب غض الدولة النظر وتشجيعها لحفر الآبار..!.

 

لعل أهم ما يجب أخذه بعين الاعتبار في سياساتنا الزراعية هو الاستغناء عن المنتجات غير المجدية اقتصادياً واستبدالها بأخرى ذات جدوى عالية، أو توزيعها على المناطق الملائمة أكثر لإنتاجها، إضافة إلى ضرورة التركيز على مدى مكافئة المنتج الزراعي وموازاته للطاقة التصنيعية الموجودة لدينا بحيث تستوعب كل ما يتم إنتاجه، بمعنى يجب العمل على تحقيق القيمة المضافة العالية من منتجاتنا بحيث نحرص على تصديرها مصنعة بدلاً من تصديرها خاماً، وفي هذا السياق يؤكد الخبير في الشأن الزراعي الدكتور عبد الكريم المقداد أن السياسة الزراعية تقوم حالياً على التخطيط التأشيري (أي غير الإلزامي) إلا لبعض المحاصيل خاصة الاستراتيجية منها، أما ما تبقى فالدولة تضع تنبؤات لمساحات مثل (الكمون – العدس – الحمص…الخ)، ولا تلزم الفلاحين بها وتقوم بالتدخل غير المباشر، فهي قد تعطي الدعم لمحاصيل دون أخرى ما يحجم الفلاحين إلى عن إنتاج غير المدعوم، وبالتالي فالزراعة تقوم على التجارب، وما اعتاد الفلاحون على إنتاجه، فالحقيقة – بحسب المقداد – أن ما يتم إنتاجه لا يقوم على دراسات كافية تحدد الجدوى من زراعتها، علماً أن هناك محاصيل يفترض أن تنجح ويجب استبدالها بمحاصيل اقل جدوى منها.

 

وفيما يتعلق بالمحاصيل الاستراتيجية وضرورة إنتاجها حسب الطاقة التصنيعية الموجودة لدينا قال المقداد: يفترض أن تتحدد كميات إنتاج القطن بما يتوافق مع الطاقات التصنيعية، ولا يسمح بإنتاج أي كمية تفوق ذلك لأنها تؤدي إلى خسارات في حال تصديرها خاماً، فالأصح أن تصدر إما محلوجة أو مغزولة أو منسوجة لتحقيق قيمة مضافة أعلى، لا أن تصدر للخارج كما هي ليستفيد منها أكثر مما نستفيد نحن.

 

كما أن هناك مشاريع إنتاجية يجب أن تلغى تماماً كالمسامك الموجودة في سهل الغاب والمعتمدة بشكل كبير على المياه الجوفية، حيث يتم ضخها 24 ساعة متواصلة لتغذية هذه المسامك وهو أمر غير مقبول على الإطلاق، لأن ما يستخرج من باطن الأرض لا يعوض بسهولة، حيث يفترض أن يكون الاستجرار على قدر الوارد لتأمين تغذية المياه الجوفية، وبالتالي تأمين الأجيال اللاحقة. وأضاف المقداد أنه في السلمية خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي انتشرت زراعة القطن، والدولة في تلك الفترة لم تكن منتبهة لهذا الموضوع، وكانت النتيجة أنه خلال عقد من الزمن لم يبق مياهاً جوفية في تلك المنطقة، وما تبقى منها فهو على أعماق كبيرة غير اقتصادية، مبدياً خشيته على أن يحصل ذلك للأحواض الأخرى.

 

ثمة شبه إجماع استخلصناه من بعض مفاصل وزارة الزراعة أن توزيع المحاصيل على مناطق معينة في سورية لم يكن بناءً على دراسات وأبحاث، وإنما على خبرة الأجيال المتعاقبة التي تعلمت من الخطأ والصواب والتجريب، فما نجح معها اعتمدته واستمرت بزراعته، وما فشل معها قلعته واستبدلته بمحاصيل أخرى، فسهل حوران –على سبيل المثال- تخصص بالحبوب منذ عصر الرومان وكانت تسمى بـ “إحراءات روما” أي مخازن حبوب روما، والمناطق القريبة من مصادر المياه أنتجت الخضار نظراً لوجود إمكانية إنتاج أكثر من موسم في السنة غير معتمد على المطر، ومؤخراً أصبح هناك نوعاً من الغيرة ولجأ المزارعون إلى استبدال المحاصيل التي نجحت عبر التاريخ في مناطقها بزراعات أخرى كما هو الحال في حوران حيث انتشرت زراعة الزيتون التي نجحت في منطقة الساحل منذ زمن طويل نظراً للظروف المناخية المواتية في الساحل والهطولات المطرية العالية، بينما في حوران إذا لم يكن مروياً لن يعط إنتاجية كبيرة وسيكون خاسراً، وسيكتشف الفلاح ذلك بعد حقبة من الزمن وربما يضطر لقلع أشجاره..!.

 

المصدر: صاحبة الجلالة

علق عن طريق الفيس بوك

comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *